السيد الطباطبائي
100
تفسير الميزان
وسيجئ في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى . وعلى أي حال ينبغي إمعان النظر في البحث عما تفيده هذه الآية من حضور جمع من المنافقين والذين في قلوبهم مرض يوم بدر عند القتال ، واستخراج حقيقة السبب الذي أوجب لهؤلاء المنافقين والضعفاء حضور هذه الغزوة ، والوقوف في ذلك الموقف الصعب الهائل الذي لا يساعد عليه الأسباب العادية ولا يقف فيه إلا رجال الحقيقة الذين امتحن الله قلوبهم للايمان . وأنهم لماذا حضروها ؟ وكيف ولماذا صبروا مع الصابرين من فئة الاسلام ؟ ولعلنا نوفق لبعض البحث في ذلك فيما سيوافي من آيات سورة التوبة في شأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ) إلى تمام الآيتين . التوفي اخذ الحق بتمامه ، ويستعمل في كلامه تعالى كثيرا بمعنى قبض الروح ، ونسبة قبض أرواحهم إلى الملائكة مع ما في بعض الآيات من نسبته إلى ملك الموت ، وفي بعض آخر إلى الله سبحانه كقوله : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) ألم السجدة : 11 ، وقوله : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) الزمر : 42 دليل على أن لملك الموت أعوانا يتولون قبض الأرواح هم بمنزلة الأيدي العمالة له يصدرون عن إذنه ويعملون عن امره ، كما أنه يصدر عن إذن من الله ويعمل عن أمر منه ، وبذلك يصح نسبة التوفي إلى الملائكة الأعوان ، وإلى ملك الموت ، وإلى الله سبحانه . وقوله : ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) ظاهره انهم يضربون مقاديم أبدانهم وخلاف ذلك فيكنى به عن إحاطتهم واستيعاب جهاتهم بالضرب ، وقيل : إن الادبار كناية عن الاستاه فبالمناسبة يكون المراد بوجوههم مقدم رؤوسهم ، وضرب الوجوه والادبار بهذا المعنى يراد به الازراء والاذلال . وقوله : ( وذوقوا عذاب الحريق ) أي يقول لهم الملائكة : ذوقوا عذاب الحريق وهو النار . وقوله : ( ذلك بما قدمت أيديكم ) تتمة لقولهم المحكى أو إشارة إلى مجموع ما يفعل بهم وما يقول لهم الملائكة ، والمعنى إنما نذيقكم عذاب الحريق بما قدمت أيديكم أو : نضرب وجوهكم وأدباركم ونذيقكم عذاب الحريق بما قدمت أيديكم .